أبي حيان الأندلسي
272
البحر المحيط في التفسير
الكلام في ذلك إن شاء اللّه . وقال صاحب الغنيان : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ للبعث من القبور والحشر ، وعبر هنا بالماضي في قوله : فَفَزِعَ ، وإن كان لم يقع إشعارا بصحة وقوعه ، وأنه كائن لا محالة ، وهذه فائدة وضع الماضي موضع المستقبل ، كقوله تعالى : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ « 1 » ، بعد قوله : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 2 » . إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ : أي فلا ينالهم هذا الفزع لتثبيت اللّه قلبه . فقال مقاتل : هم جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت عليهم السلام . وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم ، فهم حريون أن لا ينالهم هذا . وقال الضحاك : الحور العين ، وخزنة النار ، وحملة العرش . وعن جابر : منهم موسى ، لأنه صعق مرة . وقال أبو هريرة : هم الشهداء ، ورواه أبو هريرة حديثا ، وهو : « أنهم هم الشهداء عند ربهم يرزقون » ، وهو قول ابن جبير ، قال : هم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش . وقيل : هم المؤمنون لقوله : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . قال بعض العلماء : ولم يرد في تعيينهم خبر صحيح ، والكل محتمل . قال القرطبي : خفي عليه حديث أبي هريرة ، وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي ، فيعول عليه في التعيين ، وغيره اجتهاد . وهذا النفخ هو حقيقة ، إما في القرن ، وإما في الصور ، وهو قول الأكثرين . وقيل : يجوز أن يكون تمثيلا لدعاء الموتى ، فإن خروجهم من قبورهم كخروج الجيش عند سماع الصوت ، فيكون ذلك مجازا . والأول قول الأكثرين ، وهو الصواب ، لكثرة ورود النفخ في الصور في القرآن وفي الحديث الصحيح . وقيل : ففزع ، ليس من الفزع بمعنى الخوف ، وإنما معناه : أجاب وأسرع إلى البقاء . وَكُلٌّ أَتَوْهُ : المضاف إليه كل محذوف تقديره : وكلهم . وقرأ الجمهور : آتوه ، اسم فاعل ؛ وعبد اللّه ؛ وحمزة ، وحفص : أتوه ، فعلا ماضيا ، وفي القراءتين روعي معنى كل من الجمع ، وقتادة : أتاه ، فعلا ماضيا مسندا الضمير كل على لفظها ، وجمع داخِرِينَ على معناها . وقرأ الحسن ، والأعمش : دخرين ، بغير ألف . قيل : ومعنى آتوه : حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية ، ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له . وَتَرَى الْجِبالَ : هو من رؤية العين تحسبها حال من فاعل ترى ، أو من الجبال . وجامدة ، من جمد مكانه إذا لم يبرح منه ، وهذه الحال للجبال عقيب النفخ في الصور ، وهي أول أحوال الجبال ، تموج وتسير ، ثم ينسفها اللّه فتصير كالعهن ، ثم تكون هباء منبثا في آخر الأمر .
--> ( 1 ) سورة هود : 11 / 98 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 98 .